الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

43

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أقوى . والتعبير عن قريش ب قَوْمِي لزيادة التذمر من فعلهم معه لأن شأن قوم الرجل أن يوافقوه . وفعل الاتخاذ إذا قيّد بحالة يفيد شدة اعتناء المتّخذ بتلك الحالة بحيث ارتكب الفعل لأجلها وجعله لها قصدا . فهذا أشد مبالغة في هجرهم القرآن من أن يقال : إن قومي هجروا القرآن . واسم الإشارة في هذَا الْقُرْآنَ لتعظيمه وأن مثله لا يتّخذ مهجورا بل هو جدير بالإقبال عليه والانتفاع به . والمهجور : المتروك والمفارق . والمراد هنا ترك الاعتناء به وسماعه . [ 31 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 31 ] وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً ( 31 ) هذه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن ما لقيه من بعض قومه هو سنة من سنن الأمم مع أنبيائهم . وفيه تنبيه للمشركين ليعرضوا أحوالهم على هذا الحكم التاريخي فيعلموا أن حالهم كحال من كذّبوا من قوم نوح وعاد وثمود . والقول في قوله : وَكَذلِكَ تقدم في قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] . والعدوّ : اسم يقع على المفرد والجمع والمراد هنا الجمع . ووصف أعداء الأنبياء بأنهم من المجرمين ، أي من جملة المجرمين ، فإن الإجرام أعمّ من عداوة الأنبياء وهو أعظمها . وإنما أريد هنا تحقيق انضواء أعداء الأنبياء في زمرة المجرمين ، لأن ذلك أبلغ في الوصف من أن يقال : عدوّا مجرمين كما تقدم عند قوله تعالى : قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ في سورة البقرة [ 67 ] . وأعقب التسلية بالوعد بهداية كثير ممّن هم يومئذ معرضون عنه كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لعلّ اللّه أن يخرج من أصلابهم من يعبده » وبأنه ينصره على الذين يصرّون على عداوته لأن قوله : وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً تعريض بأن يفوض الأمر إليه فإنه كاف في الهداية والنصر . والباء في قوله : بِرَبِّكَ تأكيد لاتصال الفاعل بالفعل . وأصله : كفى ربّك في هذه الحالة .